ابن الجوزي

99

صفة الصفوة

إبراهيم الهروي قال : سمعت أبا يزيد يقول : هذا فرحي بك وأنا أخافك فكيف فرحي بك إذ أمنتك ؟ وسئل بما نالوا المعرفة ؟ قال : بتضييع مالهم والوقوف مع ماله . وقال : اطلع اللّه على قلوب أوليائه ، فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفا ، فاشغلهم بالعبادة . العباس بن حمزة قال : صليت خلف أبي يزيد البسطاميّ الظهر ، فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر لم يقدر إجلالا لاسم اللّه ، وارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه ، فهالني ذلك . عن أبي موسى عن أبي يزيد البسطامي قال : ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير ؛ « بل » إنما العجب من حبّك لي وأنت ملك قدير . قال : وقال أبو يزيد : لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر اللّه أتمضمض وأغسل لساني إجلالا للّه أن أذكره . قال : وقال أبو يزيد : ان في الطاعات من الآفات ما لا يحتاجون « إلى » أن يطلبوا في المعاصي . قال : وقال أبو يزيد : ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبّر . قال : وقال أبو يزيد أشدّ المحجوبين عن اللّه ثلاثة بثلاثة ، أوّلهم : الزاهد بزهده ، والثاني : العابد بعبادته ، والثالث : العالم بعلمه . ثم قال : مسكين الزاهد ، لو علم أن اللّه عزّ وجل سمى الدنيا كلها قليلا فكم ملك من الدنيا ؟ وفي كم زهد مما يملك ؟ وأما العابد فلو رأى منّة اللّه عليه في العبادة عرف عبادته في المنّة ، وأما العالم فلو علم أن جميع ما أبدى اللّه عزّ وجل من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ فكم علم هذا العالم من ذلك السطر ؟ وكم عمل مما علم ؟ قال : سمعت أبا يزيد يقول : ما ذكروه إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة . وقال : أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه . وسأله رجل : من أصحب ؟ فقال : من لا تحتاج أن تكتمه شيئا مما علمه اللّه منك .